فصل: ما وقع من أحداث سنة أربع وثمانين وستمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة إحدى وثمانين وستمائة:

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة:
فيها ولي السلطان مملوكه شمس الدين قرا سنقر نيابة السلطنة بحلب، فسار إليها واستقر.
ذكر موت أبغاو:
فيها في المحرم، مات أبغا بن هولاكو بن جنكزخان، ملك التتر، قيل إنه مات مسموماً. وكان موته ببلاد همذان، وكانت مدة ملكه نحو سبعة عشر سنة وكسوراً، وخلف من الولد، أرغون، وكيختو ابناً أبغا، ولما مات أبغا، ملك بعده أخوه أحمد بن هولاكو، واسم أحمد المذكور، بيكدار، فلما جلس في الملك، أظهر دين الإسلام، وتسمى بأحمد سلطان.
وفيها وصلت رسل أحمد بن هولاكو ملك التتر المذكور، إلى السلطان الملك المنصور قلاوون، وكان كبير الرسل المذكورين، الشيخ المتقن قطب الدين محمود الشيرازي، وكان إذ ذاك قاضي سيواس، فاحترز عليهم السلطان، ولم يمكن أحداً من الاجتماع بهم، وكان مضمون رسالتهم إعلام السلطان بإسلام أحمد المذكور، وطلب الصلح بين المسلمين والتتر، فلم ينتظم ذلك. ثم عادت رسله إليه بالجواب.
وفيها توفي منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، ملك التتر، بالبلاد الشمالية، وملك بعده أخو متدان منكو بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، وجلس على كرسي التتر بصراي، وقيل إن ذلك كان في سنة ثمانين.
وفيها عقد الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، على بنت سيف الدين بكيه، ثم تزوج أخوه الملك الأشرف بأختها الأخرى، وكان بكيه معتقلاً بالإسكندرية، فلما عزم السلطان على ذلك، أخرجه من الحبس، وأحسن إليه، وزوج ابنيه واحداً بعد الآخر ببنتي بكيه المذكور.
وفيها توفي القاضي الفاضل المحقق، شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان البرمكي، وكان فاضلاً عالماً، تولى القضاء بمصر والشام، وله مصنفات جليلة، مثل: وفيات الأعيان في التاريخ وغيره. وكان مولده يوم الخميس بعد صلاة العصر، حادي عشر ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة، بمدينة إربل، بمدرسة سلطانها مظفر الدين صاحب إربل. نقلت ذلك من تاريخه في ترجمة زينب، في آخر حرف الزاء.

.ما وقع من أحداث سنة اثنتين وثمانين وستمائة:

ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة:
في أوائل هذه السنة، قدم الملك المنصور محمد صاحب حماة، وصحبته الملك الأفضل علي، إلى خدمة السلطان الملك المنصور قلاوون بالديار المصرية، فبالغ السلطان في إكرام صاحب حماة، والإحسان إليه، وأنزله بالكبش، وأركبه بالسناجق السلطانية، والجفتا والغاشية، وسأله عن حوائجه، فقال الملك المنصور حاجتي أن أعفى من هذا اللقب فإنه ما بقي يصلح لي أن ألقب بالملك المنصور؛ وقد صار هذا لقب مولانا السلطان الأعظم، فأجابه السلطان بأبي ما تلقيت بهذا الاسم، إلا لمحبتي فيك، ولو كان لقبك غير ذلك كنت تلقبت به، فشيء فعلته محبة لاسمك، كيف أمكن من تغييره، وطلع السلطان بالعسكر المصري لحفر الخليج الذي بجهة البحيرة، وسار صاحب حماة في خدمته إلى الحفير، ثم أعطى بعد ذلك الدستور لصاحب حماة، فعاد مكرماً مغموراً بالصدقات السلطانية.
وفيها رمى السلطان الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان، بجعاً بجهة العباسة بالبندق، وأرسله للملك المنصور محمد صاحب حماة، فقبله وبالغ في إظهار السرور والفرح بذلك، وأرسل إليه تقدمة جليلة.
وفيها خرج أرغون بن أبغا بخراسان على عمه بيكدار، المسمى بأحمد سلطان، وسار إليه واقتتلا، فانهزم أرغون، وأخذه أحمد أسيراً، وسأل الخواتين في إطلاق أرغون وإقراره على خراسان، فلم يجب إلى ذلك، وكانت خواطر المغل قد تغيرت على أحمد، بسبب إسلامه وإلزامه لهم بالإسلام، فاتفقوا على قتله، وقصدوا أرغون بالموضع الذي هو معتقل فيه، وأطلقوه وكبسوا الناق نائب أحمد فقتلوه، ثم قصدوا الأردو، فأحس بهم السلطان أحمد، فركب وهرب، فتبعوه وقتلوه، وملكوا أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وذلك في جمادى الأولى من هذه السنة.
وفيها قتل أرغون الصبي، سلطان الروم، الذي أقامه البرواناه بعد قتله أباه، حسبما تقدم ذكره في سنة ست وستين وستمائة، وكان اسم الصبي المذكور، غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن قليج أرسلان، وفوض اسم سلطنة الروم إلى مسعود بن عز الدين كيكاؤوس، وهذا مسعود هو الذي هرب من منكوتمر ملك التتر بصراي، وأبوه عز الدين كيكاؤوس، هو الذي جرى له مع الأشكري صاحب قسطنطينية على ما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وستين وستمائة، واستمرت سلطنة الروم باسم مسعود المذكور إلى سنة ثمان وسبعمائة، وهو مسعود ابن كيكاؤوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن قطلومش، من السلجوقية ببلاد الروم. وافتقر مسعود المذكور، وانكشف حاله جداً، حتى قيل إنه تناول سماً فمات، من كثرة المطالبة من أرباب الدين والتتر.
وفيها ولى أرغون، سعد الدولة اليهودي، وعظمه ومكنه، وكان سعد الدولة المذكور، في مبدأ أمره، دلالاً بسوق الصناعة بالموصل، فحكم في سائر البلاد التي بأيدي التتر.
وفيها قرر أرغون ولديه قازان وخربنده بخراسان، وجعل أتابكهما أميراً كبيراً من أصحابه، اسمه نورود.
وفيها مات الأشكري صاحب قسطنطينية، واسمه ميخائل، وملك بعده ابنه ماندس، وتلقب بالدوقس.
وفيها كاتب الحكام بقلعة الكحنا قراسنقر، نائب السلطنة بحلب، وسلموا الكحنا إلى السلطان، فجهز قراسنقر عسكراً فتسلموها، وقرر السلطان فيها نوابه، وحصنها، وصارت من أعظم الثغور الإسلامية نفعاً.
وفيها في رجب، قدم السلطان إلى دمشق، وكان قد سار من مصر، في جمادى الآخرة. وفيها كان السيل العظيم بدمشق في العشر الأول من شعبان، والسلطان الملك المنصور قلاوون بدمشق، وأخذ ما مر به من العمارات وغيرها، واقتلع الأشجار، وأهلك خلقاً كثيراً، وذهب للعسكر النازلين على جوانب بردى من الخيل والجمال والخيم ما لا يحصى، وتوجه السلطان عقيبه إلى الديار المصرية، ووصل إلى قلعة الجبل في ثامن عشر رمضان من هذه السنة.

.ما وقع من أحداث سنة ثلاث وثمانين وستمائة:

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة:
فيها سار السلطان الملك المنصور قلاوون إلى دمشق، وحضر الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمته إلى دمشق، ثم عاد كل منهما إلى مقر ملكه.
ذكر وفاه الملك المنصور صاحب حماة:
في هذه السنة في شوال، توفي السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي أحمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب حماة، رحمه الله تعالى. ابتدأ فيه المرض في أوائل شعبان، بعد عوده من خدمة السلطان من دمشق، وكان مرضه حمى صفراوية داخل العروق، ثم صلح مزاجه بعض الصلاح، فأشار الأطباء بدخوله الحمام، فدخلها، فعاوده المرض، وأحضر له الأطباء من دمشق، مع من كان في خدمته منهم، واشتد به ذات الجنب، وعالجوه بما يصلح لذلك، فلم يفد شيئاً.
وفي مدة مرضه عتق مماليكه، وتاب توبة نصوحاً، وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاوون يسأله في إقرار ابنه الملك المظفر محمود في مملكته، على قاعدته، واشتد به مرضه حتى توفي بكرة حادي عشر شوال من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وكانت ولادته في الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فيكون عمره إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وملك حماة يوم السبت ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو اليوم الذي توفي فيه والده الملك المظفر محمود، فيكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان أكبر أمانيه، أن يعيش إلى أن يسمع جوابه من السلطان، فيما سأله من إقرار حماة على ولده الملك المظفر محمود، فاتفق وفاته قبل وصول الجواب، وكان قد أرسل في ذلك على البريد مملوكه سنقر، أمير أخور، فوصل بالجواب بعد موت الملك المنصور بستة أيام، ونسخة الجواب من السلطان بعد البسملة: المملوك قلاوون، أعز الله أنصار المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري الناصري، ولا عدمه الإسلام ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه، من أذى داء، وعود عواد، وإلمام آلام المملوك يجدد الخدمة التي كان يود تجديدها، شفاهاً ويصف ما عنده من الألم لما ألم بمزاجه الكريم، حتى أنه لم يكد يفتح بالحديث فاهاً. ولما وقفنا على الكتاب المولوي المتضمن بمرض الجد المحروس، وما انتهى إليه الحال، كادت القلوب تنشق، والنفوس تذوب حزناً، والرجاء من الله أن يتداركه بلطفه، وأن يمن بعافيته التي رفع في مسألتها يديه، وبسط كفيه، وهو يرجو من كرم الله، معاجلة الشفاء، ومداركة العافية، الموردة بعد الكدر، مورد الصفاء، وإن الله يفسح في أجل المولى ويهبه العمر الطويل، وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من حقوق يوجبها الإقرار، وعهود أنت بدورها من السرار، ونحن بحمد الله، فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودات محفوظة، فالمولى يعيش قرير العين، فما تم إلا ما يسره من إقامة ولده مقامه، لا يحول ولا يزول، ولا يرى على ذلك ذلة ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس، مستديم الأنس، بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم.
ولما وصل الكتاب، اجتمع لقراءته الملك الأفضل والملك المظفر وعلم الدين سنجر، المعروف بأبي خرص، وقرئ عليهم، وتضاعف سرورهم بذلك، وكان الملك المنصور محمد صاحب حماة المذكور، ملكاً ذكياً فطناً، محبوب الصورة، وكان له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليماً إلى الغاية، يتجاوز عما يكره ويكتمه، ولا يفضح قائله، من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قدم إلى حماة، ونزل بالدار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون فيها من الملك المنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان، أن يجمع القصص ولا يقرأها، ويضعها في منديل، ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدوادار المذكور، وأحضرها إلى الملك المنصور وقال: إنه والله دعاء الملك المنصور لصداقة الملك الظاهر، وخلع على الدوادار، وأخذ القصص، وقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم بشيء لا ينبغي، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضار نار، وحرق تلك القصص، ولم يقف على شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير، رحمه الله تعالى.
ذكر ملك الملك المظفر حماة:
ولما بلغ السلطان الأعظم الملك المنصور، وفاة الملك المنصور صاحب حماة، قر ابنه الملك المظفر محموداً ابن الملك المنصور محمد في ملك حماة، على قاعدة والده، وأوصل إليه إلى عمه الملك الأفضل، إلى أولاده، التشاريف، ومكاتبة إلى الملك المظفر بذلك، ووصلت التشاريف ولبسناها في العشر الأخير من شوال من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ونسخة الكتاب الواصل من السلطان بعد البسملة: المملوك قلاوون، أعر الله نصرة المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري التقوي، ونزع عنه لباس البأس، وألبسه حلل السعد المجلوة على أعين الناس، وهو يخدم خدمة بولاء، قد تبجست عيونه، وتأسست مبانيه، وتبابست ظنونه، وحلت رهونه، وحلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه، ومنها: وقد سيرنا المجلس السامي جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب، وأصحبناه من الملبوس الشريف، ما يغير به لباس الحزن، وينجلي في مطلعه ضياء وجه الحسن، وينجلي بذلك غيوم تلك الغموم، وأرسلنا: أيضاً صحبته ما يلبسه هو وذووه، كما يبدو البدر بين النجوم. وآخر الكتاب، وكتب في عشرين شوال سنه ثلاث وثمانين وستمائة.
وكان قد وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور، على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي، لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور، جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق، فأتم سنجر أبو خرص السير، ووصل إلى الأبواب الشريفة السلطانية، فتلقاه السلطان بالقبول، وأعاده بكل ما يحب ويختار، وقال: نحن واصلون إلى الشام، ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد علم الدين سنجر أبو خرص إلى حماة، ومعه الجواب بنحو ذلك.

.ما وقع من أحداث سنة أربع وثمانين وستمائة:

ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة:
ذكر ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة:
في هذه السنة في صفر، كان ركوب السلطان الملك المظفر محمود صاحب حماة، بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وصورة ما جرى في ذلك، من السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل في هذه السنة في أواخر المحرم، بعساكره المتوافرة، إلى دمشق المحروسة، وسار الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل، ووصلا إليه إلى دمشق، فأكرمهما السلطان إكراماً كثيراً، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله، التقليد بسلطنة حماة، والمعرة، وبارين، والتشريف، وهو أطلس أحمر فوقاني، بطراز زركش وسنجاب، ودائرة قندس، وقباً أطلس أصفر تحتاني، وشاش تساعي، وكلوته زركش، وخياصة ذهب، وسيف محلى بالذهب، وتلكش، وعنبر بناً، وثوب بطرز مذهبة، ولباس. وأرسل شعار السلطنة، وهو سنجق بعصائب سلطانية، وفرس بسرج ذهب، ورقبة وكبوش، وأرسل الغاشية السلطانية.
فلبس الملك المظفر ذلك، وركب بشعار السلطنة، وحضرت أمراء السلطان، ومقدموا العسكر، وساروا معه من الموضع الذي كان فيه، وهو داره المعروفة بالحافظية، داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة، إلى أن وصل الى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان، فأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة، وطيب خاطره وقال له: أنت ولدي، وأعر من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغراة المباركة، فأنتم من بيت مبارك، ما حضرتم في مكان إلا وكان النصر معكم، فعاد الملك المظفر وعمه الملك الأفضل إلى حماة، وعملا أشغالهما، وكذلك باقي العسكر الحموي، وتأهبوا للمسير إلى خدمة السلطان ثانيا.
ذكر فتوح المرقب:
وفي هذه السنة، سار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، بعد وصوله إلى دمشق، بالعساكر المصرية والشامية، ونازل حصن المرقب، في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، وهو حصن للاستبار، في غاية العلو والحصانة، لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه. فلما زحف العسكر عليه، أخذ الحجارون فيه النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق، كباراً وصغاراً.
يقول العبد الفقير مؤلف هذا المختصر: إنني حضرت حصار الحصن المذكور، وعمري إذ ذاك نحو اثنتي عشرة سنة، وهو أول قتال رأيته، وكنت مع والدي. ولما تمكنت النقوب من أسوار القلعة، طلب أهله الأمان، فأجابهم السلطان، رغبة في إبقاء عمارته، فإنه لو أخذه بالسيف وهدمه، كان حصل التعب في إعادة عمارته. فأعطى أهله الأمان، على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله، غير السلاح، وصعدت السناجق السلطانية على حصن المرقب المذكور، وتسلمه في الساعة الثامنة من نهار الجمعة، تاسع عشر ربيع الأول عن هذه السنة، أعني سنة أربع وثمانين وستمائة.
وكان يوماً مشهوداً، أخذ فيه الثأر من بيت الاستبار، ومحيت آية الليل بآية النهار، فأمر السلطان فحمل أهل المرقب إلى مأمنهم، ولما ملكه، قرر أمره، ورحل عنه إلى الوطاة بالساحل، وأقام بمروج بالقرب من موضع يقال له برج القرفيص، ثم سار السلطان ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص، وفي بحيرة قدس.
ذكر مولد مولانا السلطان الأعظم مولد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد، ابن السلطان الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، قلاوون الصالحي:
وفي هذه السنة، ولد مولانا السلطان الأعظم المذكور، من زوجة السلطان، وهي بنت سكتاي بن قراجين بن جنعان. وسكتاي المذكور، ورد إلى الديار المصرية هو وأخوه قرمشي، سنة خمس وسبعين وستمائة، صحبة بيجار الرومي في الدولة الظاهرية، فتزوج السلطان الملك المنصور قلاوون، ابنة سكتاي المذكور، في سنة ثمانين وستمائة، بعد موت أبيها المذكور، بولاية عمها قرمشي، ووردت البشائر بمولده إلى السلطان وهو نازل على بحيرة حمص، عند عوده من فتح المرقب، فتضاعف سروره، وضربت البشائر فرحاً بمولده السعيد.
وفيها عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى الملك المظفر عند رحيله عن حمص الدستور، فعاد إلى حماة.